وهبة الزحيلي
20
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
اليهود عند نزول الأمر باستقبال الكعبة ، معجزة للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولتتوطن النفس على ما يرد من الأعداء ، وتستعدّ له ، فيكون أقل تأثيرا عند المفاجأة ، ولإعداد الجواب المسبق ، وهو قوله تعالى : قُلْ : لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ « 1 » . سبب نزول الآية : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ : نزلت هذه الآية في مؤمني أهل الكتاب : عبد اللّه بن سلام وأصحابه ، كانوا يعرفون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بنعته وصفته وبعثه في كتابهم ، كما يعرف أحدهم ولده ، إذا رآه مع الغلمان ، قال عبد اللّه بن سلام : لأنا أشدّ معرفة برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مني بابني ، فقال له عمر بن الخطاب : وكيف ذاك يا ابن سلام ؟ قال : لأني أشهد أن محمدا رسول اللّه حقّا يقينا ، وأنا لا أشهد بذلك على ابني ، لأني لا أدري ما أحدث النساء ، فقال عمر : وفقك اللّه يا ابن سلام . المناسبة أو وجه الربط بين الآيات : كان النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم يتشوّق لتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ، لأنها قبلة أبيه إبراهيم ، ولأنها أدعى إلى إيمان العرب ، وهم الذين عليهم المعول في إظهار هذا الدين ، ولأن اليهود كانوا يقولون : يخالفنا في ديننا ويتبع قبلتنا ، ولولا ديننا لم يدر أين يستقبل القبلة ؟ فكره النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبلتهم ، حتى روي أنه قال لجبريل : وددت لو أن اللّه صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها . قال أبو حيان : ولما كان صلّى اللّه عليه وسلّم هو المتشوّف لأمر التحويل بدأ بأمره أولا ، ثم أتبع أمر أمته ثانيا ، لأنهم تبع له في ذلك ، ولئلا يتوهم أن ذلك مما اختص به صلّى اللّه عليه وسلّم « 2 » .
--> ( 1 ) الكشاف : 1 / 242 ( 2 ) البحر المحيط : 1 / 430